دراسة تصنف سرطان الثدي إلى أربع أتواع

تحديد التغيرات الوراثية المسببة له لاستهدافها بعقاقير موجهة

في نتائج تعيد تشكيل الفهم العلمي لسرطان الثدي، حدد الباحثون أربعة أنواع من سرطان الثدي مختلفة وراثيا. ووجدوا داخل هذه الأنواع تغيرات وراثية واضحة تؤدي إلى الإصابة بكثير من السرطانات.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الاكتشافات، التي نشرت على الإنترنت نهاية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي في دورية «نيتشر»، إلى التوصل لعلاجات جديدة للسرطان، تشمل عقاقير تمت الموافقة عليها بالفعل كعلاج للسرطان يصيب أجزاء أخرى من الجسد، وكذلك إلى أفكار جديدة تساعد على التوصل إلى علاجات أكثر تحديدا تستهدف خللا وراثيا لم يتم اكتشاف علاج له حتى هذه اللحظة.

وتعد هذه الدراسة أول تحليل وراثي شامل لسرطان الثدي الذي يؤدي إلى وفاة أكثر من 35 ألف سيدة سنويا في الولايات المتحدة. وتثري هذه الورقة البحثية الجديدة وعدد من الدراسات الحديثة الأصغر، هذا المجال الطبي.

اكتشافات جديدة

* وقال الدكتور ماثيو إيليس، من جامعة واشنطن وأحد الباحثين المشاركين في هذه الدراسة: «إنها خريطة الطريق إلى علاج سرطان الثدي في المستقبل». ويؤكد الباحثون والمدافعون عن المرضى أن ترجمة هذه الاكتشافات الجديدة إلى علاجات تحولية جديدة ستستغرق سنوات.

وحتى داخل الأنواع الأربعة، يبدو أن الأورام تتكون لدى الأفراد بفعل مجموعة من التغيرات الوراثية. وستكون هناك حاجة إلى تطوير مجموعة متنوعة من العقاقير من أجل تقديم علاجات تناسب كل فرد في علاج الورم المصاب به. وتقول كارونا جاغر، المديرة التنفيذية لمجموعة «سرطان الثدي»: «هناك الكثير من الخطوات الضرورية لتحويل العلم الأساسي إلى نتائج عملية ذات معنى. إنها قصة الثبات والاستعداد».

وتأتي الدراسة في إطار مشروع فيدرالي أكبر هو وضع أطلس لمجموعة السرطان الجينية، يهدف إلى وضع خرائط عن التغيرات التي تحدث للجينات في أشكال السرطان الشائعة.

وتم نشر تقارير عن دراسات مشابهة خاصة بسرطان الرئة والقولون مؤخرا. تقوم دراسة سرطان الثدي على تحليل للأورام لدى 825 مريضة. وقال مدير برنامج الأطلس، براد أوزنبيرغر، من المعاهد القومية للصحة: «لم يكن هناك من قبل مشروع بهذا الحجم خاص بجينوم سرطان الثدي». وحدد الباحثون 40 تغيرا وراثيا على الأقل يمكن للعقاقير استهدافها. وتطور الكثير من تلك التغيرات لتصبح أنواعا أخرى من السرطان يوجد بها التغير الوراثي نفسه. وقال جو غراي، الخبير في التركيب الوراثي في جامعة أوريغون للعلوم والطب الذي لم يشارك في الدراسة: «لدينا الآن فكرة جيدة عن الخلل الذي يحدث عند الإصابة بسرطان الثدي. لم يكن لدينا هذا من قبل».

وركزت الدراسة على أكثر أنواع سرطان الثدي شيوعا، التي يعتقد أنها تحدث في القناة اللبنية. واعتمدت الدراسة على الأنواع المبكرة من سرطان الثدي التي لم تنتشر، وتمتد إلى أجزاء أخرى من الجسم من أجل البحث عن التغيرات الوراثية التي يمكن استهدافها، مما يساعد على إيقاف نشاط السرطان قبل انتشاره.

سرطان قاتل

* وكانت أكبر مفاجأة حملتها الدراسة، هي رصد أنواع قاتلة من سرطان الثدي، التي تشبه خلايا الورم فيها خلايا الجلد وغدد التعرق، التي توجد في أعمق طبقة من الجلد. وتكون هذه الخلايا التي توجد في الثدي دعامات لخلايا القناة اللبنية. وكثيرا ما يعد هذا النوع من السرطان أكثر سوءا من الأنواع الأخرى بثلاثة أمثال، ولا يمثل سوى نسبة ضئيلة من أنواع سرطان الثدي.

مع ذلك، اكتشف الباحثون أن هذا النوع من السرطان مختلف تماما عن الأنواع الأخرى من سرطان الثدي بقدر ما هو مشابه لسرطان المبيض ونوع من سرطان الرئة. ويقول جيمس إينغل، من «مايو كلينيك»، وأحد مؤلفي الدراسة الذين يبلغ عددهم 348، عن علاقة السرطان بسرطان المبيض: «إن هذا أمر رائع، فهو يشير إلى إمكانية وجود سبب مشترك». هناك تأثيرات علاجية مباشرة.

وتقدم الدراسة سببا بيولوجيا يدعو إلى تجربة علاجات تقليدية معتادة تستخدم في علاج سرطان المبيض بدلا من فئة العقاقير الشائعة التي تستخدم في علاج سرطان الثدي التي تعرف باسم الأنثراكلاين، التي يقول عنها إيليس، إنها العقاقير التي تفزع مرضى السرطان بشكل كبير لارتباطها بضرر القلب وسرطان الدم. وينبغي كذلك تجربة نوع جديد من العقاقير هي مثبطات إنزيم بلويميراز «بارا» التي يبدو أنها تساعد في وقف نشاط سرطان المبيض، في علاج سرطان الثدي القاعدي على حد قول إيليس.



أربعة أنواع

* وتنتشر السرطانات القاعدية بين الشابات ولدى الأميركيات من أصول أفريقية والسيدات اللاتي يحملن جيني «بي آر سي إيه 1» BRCA1 (سرطان الثدي 1) و«بي آر سي إيه 2» BRCA2 (سرطان الثدي 2) المسبب للسرطان. ويظهر نوعان آخران من أنواع سرطان الثدي، اللذان يمثلان أكثر حالات السرطان، من خلايا سرطانية توجد داخل القنوات اللبنية. ويحتوي سطح هذه السرطانات على بروتينات تجذب هرمون الأستروجين، مما يغذيها ويحفز نموها. ويتلقى جميع المصابين بهذا النوع من السرطانات التي تتغذى على الأستروجين العلاج نفسه، ويستجيب البعض، بينما لا يستجيب آخرون. وصنف التحليل الوراثي هذه الأنواع من السرطانات إلى نوعين مختلفين. هناك احتمال كبير أن يستجيب المرضى المصابون بسرطان النوع الأول «إيه»، في حين لا يوجد احتمال لاستجابة المصابين بالنوع الثاني «بي»، مما يشير إلى أن مرضى النوع الأول قد يستجيبون للعلاج الهرموني الذي يتم فيه منع الأستروجين من تغذية الخلايا السرطانية، في الوقت الذي يناسب العلاج الكيميائي إضافة إلى العلاج الهرموني المصابين بالنوع الثاني من السرطان.

في بعض الحالات، يكون هناك ارتباط كبير بين أشكال الخلل الوراثي والنوع السرطاني الذي يجعلها تبدو كأنها السبب الفعلي للسرطان، على حد قول تشارلز بيرو من جامعة نورث كارولينا، ومن المؤلفين البارزين لهذه الدراسة. ووصف هذا الاكتشاف بالمذهل. وقال: «نحن نقترب بالفعل من جذور هذه الأنواع من السرطان».

يأتي بعد السرطانات القاعدية ونوعي السرطان «إيه» و«بي»، نوع رابع من سرطانات الثدي وهو ما يطلق عليه الباحثون السرطان الـ«مدعم بجين إتش إي آر2» HER2. وكثيرا ما تحتوي سرطانات الثدي على نسخ إضافية من جين «إتش إي آر2» الذي يعزز نموها. ويستطيع عقار الهرسبتين منع الجين ويغير قابلية هؤلاء المرضى للإصابة، مما يحوله من أحد أسوأ سرطانات الثدي إلى أحد أفضل سرطانات الثدي.

ورغم الموافقة على عقار الهرسبتين لعلاج كل مرضى هذا السرطان، يوجد بورمهم الكثير من جين «إتش إي آر 2»، تشير نتائج التحليل الجديد إلى أن الأورام ليست نفسها، بل مختلفة. ومن المفترض أن يستجيب السرطان المدعم بجين «إتش إي آر2» لعقار الهرسبتين، بينما لا يفترض استجابة النوع الآخر لهذا العقار.

الطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هي التجربة العملية، ويتم التخطيط بالفعل للقيام بواحدة. وعقار الهرسبتين باهظ الثمن ويمكن أن يسبب ضررا للقلب. ويقول الدكتور بيرو: «نحن بالتأكيد نريد فقط أن نصفه للمرضى الذين يمكن أن ينتفعوا به». حتى هذه اللحظة رغم الاحتمالات المغرية، سيتعين على المرضى الانتظار حتى يتم إجراء تجارب عملية للتأكد من قدرة العقاقير، التي تمنع من أشكال الخلل الوراثي، على التصدي للسرطانات أم لا. قد تكون مهمة إجراء كافة الاختبارات على العقار مهمة شاقة. ونظرا لاختلاف مسارات خلية سرطان الثدي، يجب أن يكون عدد كبير من الدراسات على العقار، تركز كل واحدة منها على تغير جيني بعينه.

تعاني إليزابيث ستارك، (48 عاما)، وهي إحدى مرضى دكتور إيليس من سرطان الثدي، وخضعت على مدى الأربع سنوات الماضية لثلاث جلسات من العلاج الكيميائي وعملية جراحية وعلاج بالإشعاع. ووصل مرضها إلى مرحلة مستقرة حاليا. وتقول ستارك، التي تعمل اختصاصية في الكيمياء الحيوية، إنها تعلم أن ثورة البيانات المتعلقة بالجينات ستستغرق وقتا حتى تثمر علاجات يمكن أن تساعد في علاج مرضها. وقالت: «سيتغير الوضع بعد عشر سنوات». وأضافت مؤكدة: «أعلم أنني سأكون موجودة حينها».

* المصدر  «نيويورك تايمز»